الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

21

تفسير روح البيان

الموكلين لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيأ ثم بين اللّه تعالى انهم كاذبون في استعجال العذاب بناء على أنه لو نزل بالإنسان أدنى شئ يكرهه لا يصبر عليه بل يتضرع إلى اللّه في إزالته عنه فقال وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ أصابه الضُّرُّ جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة دَعانا [ بخواند ما را بإخلاص براي ازالهء أو ] لِجَنْبِهِ اللام بمعنى على كما في قوله تعالى يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ اى دعانا كائنا على جنبه اى مضطجعا أو ملقى لجنبه على الأرض لما به من المرض واللام على بابها أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً وذلك ان من الضرر ما يغلب الإنسان ويجعله صاحب فراش يضطره إلى الاضطجاع ومنه ما يكون أخف من ذلك ويجعله بحيث يقدر على القعود ومنه ما يتمكن الإنسان معه على القيام لا غير . ففائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع أصناف الضرر . ويجوز ان يكون لجميع الأحوال اى دعانا في جميع أحواله مما ذكر وما لم يذكر لإزالة ما يضر عنه في حال ما من أحواله . وتخصيص المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ رفعناه وأزلناه بسبب إخلاصه في الدعاء مَرَّ مضى على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساس الضر ونسي حالة الجهد والبلاء واستمر على كفره كَأَنْ اى كأنه لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ اى مشبها بمن لم يدع إلى كشف ضره فهو حال من فاعل مر وهذا وصف للجنس باعتبار حال بعض افراده ممن هو متصف بهذه الصفات كَذلِكَ اى مثل ذلك التزيين . فالكاف اسم منصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف لقوله زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الاعراض عن التضرع والانهماك في الشهوات حين انكشاف الضر عنهم . وسمى الكافر مسرفا لكونه مسرفا في امر دينه متجاوزا عن الحد في الغفلة عنه فإنه لا شبهة في ان المرء كما يكون مسرفا في الانفاق فكذا يكون مسرفا في اتباع الهوى وتضييع العمر فيما لا يعنيه بل يضره : قال الصائب أزين چه سود كه در گلستان وطن دارم * مرا كه عمر چو نرگس بخواب ميگذرد وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ يعنى الأمم الماضية مثل قوم نوح وعاد مِنْ قَبْلِكُمْ متعلق باهلكنا وليس بحال من القرون لأنه زمان اى أهلكناهم من قبل زمانكم يا أهل مكة لَمَّا ظَلَمُوا حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي وَجاءَتْهُمْ اى والحال انهم قد جاءتهم رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى بالحجج الدالة على صدقهم وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وما استقام لهم ان يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان اللّه لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم وهو عطف على ظلموا كأنه قيل لما ظلموا وأصروا على الكفر بحيث لم يبق فائدة في إمهالهم أهلكناهم كَذلِكَ اى مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق انه لا فائدة في إمهالهم نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ نجزى كل مجرم ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ استخلفنا كم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر لان اللّه تعالى لا يحتاج في العلم بأحوال الإنسان إلى الاختبار والامتحان في الحقيقة ولكن يعامل معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه لِنَنْظُرَ النظر في اللغة عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبا لرؤيته وهو في حقه